صديق الحسيني القنوجي البخاري
415
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ من الإبداء والإعادة ، قال عطاء لا يعجز عن شيء يريده ولا يمتنع منه شيء طلبه ، وارتفاع فعال على أنه خبر مبتدأ محذوف ، قال الفراء : هو رفع على التكرير والاستئناف لأنه نكرة محضة ، قال ابن جرير : رفع فعال وهو نكرة محضة على وجه الاتباع لإعراب الْغَفُورُ الْوَدُودُ . وإنما قال : « فعال » لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة ، والإرادة هنا تكوينية فيكون فيه دلالة على خلق أفعالهم ، وختم به الصفات لأنه كالنتيجة للأوصاف السابقة . قال الكرخي : نكره لضرب من التعظيم تتلاشى عنده الأوهام والعقول ، قال بعضهم : وفيه دلالة على أنه لا يجب عليه شيء لأنها دالة على أن فعله بحسب إرادته ، ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ والجملة مستأنفة مقرر لما تقدم من شدة بطشه سبحانه وكونه فعالا لما يريد ، وفيه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة الطاغية في الأمم الخالية المكذبة لأنبيائهم المتجندة عليها . ثم بيّنهم فقال : فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ وهو بدل من الجنود ، فالمراد بفرعون هو وقومه والمراد بثمود القوم المعروفون ، والمراد بحديثهم ما وقع منهم من الكفر والعناد والضلال ، وما وقع عليهم من العذاب والنكال ، وقصتهم مشهورة ، وقد تكرر في الكتاب العزيز ذكرها في غير موضع ، واقتصر على الطائفين لاشتهار أمرهما عند أهل الكتاب ، وعند مشركي العرب ودل بهما على أمثالهما . ثم أضرب عن مماثلة هؤلاء الكفار الموجودين في عصره صلى اللّه عليه وآله وسلم إضرابا انتقاليا لمن تقدم ذكرهم وبيّن أنهم أشد منهم في الكفر والتكذيب فقال : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ شديد لك ولما جئت به ، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار . وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ أي يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بأولئك لا عاصم لهم منه ، والإحاطة بالشيء الحصر له من جميع جوانبه فهو تمثيل لعدم نجاتهم بعدم فوت المحاط به على المحيط . ثم رد سبحانه تكذيبهم بالقرآن فقال : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ أي متناه في الشرف والكرم والبركة والنفع ، معجز بنظمه عالي الطبقة من بين الكتب ، وحيد في النظم والمعنى لكونه بيانا لما شرعه اللّه لعباده من أحكام الدين والدنيا وليس هو كما يقولون إنه شعر وكهانة وسحر . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ أي مكتوب في لوح وهو أم الكتاب محفوظ عند اللّه من وصول الشياطين إليه ، قرأ الجمهور لوح بفتح اللام واتفق عليها القراء وقرأ الجمهور